شكيب أرسلان
211
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
يستولى على برشلونة في أول فرصة . وكان شارلمان يومئذ في رومة مشغولا بقضية تتويجه امبراطورا على الغرب . وكانت برشلونة قد أصبحت للمسلمين معقلا متينا ، وكانت تصدر عنها فرسان تلك الخيل المشهورة بخفة الحركات ، فتبث الغارات في بلاد النصارى وتعود وأيديها ملأى بالغنائم ، وكانت من المنعة بحيث ان الفرنسيس لبثوا سنتين يحصرونها ، ويضيقون عليها ، ويكتسحون نواحيها ، ولم يقدروا على دخولها . وكان الفرنج في حصارها ، قد قسموا جيشهم إلى ثلاثة أقسام : قسم منهم كان يهاجم نفس برشلونة ، وقسم ثان ، يقوده غليوم كونت طلّوزة ، كان يرابط في الممر الذي كانت تفيض منه جيوش المسلمين المقبلة من قرطبة لنجدة برشلونة ، وقسم ثالث كان يقوده الملك لويس نفسه . وكان في جبال البرانس يحمل على المسلمين حيث وجد الفرصة ملائمة ، وكان الإفرنج قد تقاسموا أعمال الحصار فيما بينهم ، حتى يتهيأ لكل فريق منهم أن يتقن عمله ، فمنهم من كان شغله وضع السلالم ، والتسلق على الأسوار والأبراج ، ومنهم من لم يكن له شغل غير جلب الميرة والعدة . ومنهم من كان موكولا إليه الحفر والنقب . ومنهم من كان معهودا إليه بوظائف أخرى . فاشتد الحصار إلى درجة غير معهودة ، وجاءت جيوش المسلمين لتفرج عن برشلونة ، فلم تقدر على النفوذ إليها ، فتحولت إلى بلاد اشتورية ، وهزمت أهلها ، فبقى أمير برشلونة منفردا بقوته ، والمدد بعيد عنه ، وخرج في إحدي المعارك لقتال الإفرنج المحاصرين ، فأخذ أسيرا ثم حمل الإفرنج على البلدة حملتهم الأخيرة ففتحوها . وكان فتح الإفرنج لبرشلونة سنة 801 بعد أن بقيت تسعين سنة في أيدي المسلمين . فلما دخلوها بادروا بتحويل جوامعها كنائس ، وأرسل الملك لويس إلى أبيه شارلمان جانبا من الغنائم ، من دروع ، وزرود ، وخوذ ، وخيول مسرجة بأفخر السروج ، وبعد ذلك أصبح لفرنسة منطقتان في شمالي إسبانية : إحداهما كتلونية ، وقاعدتها برشلونة ، والثانية غشقونية ، ومن مضافاتها نبارة وأراغون .